السيد عباس علي الموسوي
222
شرح نهج البلاغة
وأموالهم فربحوا الجنة وتلك هي أربح التجارات . . . لقد أدركوا لذة زهدهم في الدنيا عاشوا لذة الاحتقار للدنيا ولم يرتضوها عن الآخرة فعاشوا فيها أعزة كراما وأدركوا في الآخرة الجنة ودار السلام . . . وتيقنوا أنهم جيران اللّه غدا في آخرتهم . . . إنهم قريبون منه وفي رحمته يصلهم ويمنحهم ويمنّ عليهم من عطاياه ولهم بعد ذلك خصوصية أن دعوتهم لا تردّ إذا دعوا ولا ينقص لهم نصيب أو حظ من لذة بل كل اللذة تصلهم كاملة تامة . . . ( فاحذروا عباد اللّه الموت وقربه وأعدّوا له عدته فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل بخير لا يكون معه شر أبدا أو شر لا يكون معه خيرا أبدا ) اتخذوا الحيطة للموت فهو قريب منكم لا تدرون متى يأتيكم قد تخرج الكلمة منك فتموت أختها بعدها وقد تغمض عينيك ولا تملك فتحهما فأعدوا له عدته من التقوى والعمل الصالح والإحسان إلى الناس إنه إذا جاء جاء بأمر عظيم فهناك كربه وشدائده وهناك أهواله وفجائعه . . . إنه يأتي بأحد أمرين بخير لا يكون معه شر أبدا وهو الجنة وما فيها من نعيم لا يكدره شيء أو يأتي بشر لا يكون معه خير أبدا وهو النار وما فيها من عذاب مقيم قال تعالى : يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلّا بإِذِنْهِِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ . ( فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ومن أقرب إلى النار من عاملها وأنتم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم ، الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من خلفكم ) هذا ترغيب في العمل الصالح الموصل إلى الجنة وترهيب من العمل القبيح الموصل إلى النار فأقرب الناس إلى الجنة من عمل لها وأقرب الناس إلى النار من عمل لها لأن كل عامل يجزى بعمله فإن عمل خيرا قطع الطريق بسرعة ودخل الجنة وإن عمل شرا قطع الطريق ووصل إلى النار وكل فرد يختار العمل الذي يوصله إلى هدفه الذي يسعى إليه . ثم بيّن ملازمة الموت لنا لنحذر منه ونعدّ العدة له فقال : وأنتم طرداء الموت : أي يلحقكم ويطاردكم أينما كنتم فيخرجكم عن أوطانكم ودياركم ، إنه يحل بكم إن أقمتم في مكانكم ولزمتم محلكم كما أنه يلحقكم ويأخذكم إن فررتم منه أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فإَنِهَُّ مُلاقِيكُمْ . وبيّن شدة ملازمته لنا وعدم انفكاكه عنا بقوله : وهو ألزم لكم من ظلكم فكما أن